الانتخابات المبكرة في تركيا: الأسباب والنتائج المتوقعة

 

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في 18 أبريل 2018، إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة في الرابع والعشرين من يونيو المقبل، عقب اجتماعه برئيس حزب الحركة القومية دولت بهجلي. وكان الأخير قد اقترح إجراء الانتخابات الرئاسية قبل موعدها المقرر في نوفمبر 2019، موضحاً أنه من الصعب على البلاد «تحمل الظروف الراهنة» حتى موعد الانتخابات. فما أسباب تقديم موعد الانتخابات؟ وما حظوظ الحزب الحاكم والرئيس أردوغان فيها؟

أسباب تقديم الرئيس أردوغان موعد الانتخابات

برّر الرئيس أردوغان قراره بتقديم موعد الانتخابات قبل 17 شهراً من موعد إجرائها المقرر، بالقول إنه «نتيجة للعمليات العسكرية التي نخوضها في سوريا والأحداث التاريخية التي تشهدها منطقتنا، بات من الضروري لتركيا تجاوز حالة الغموض في أسرع وقت ممكن». وأردوغان الذي رفض مراراً وعلناً خلال الشهور الستة الماضية فكرة تقديم موعد الانتخابات، واجه تحديات صعبة للغاية دفعته إلى تقديم موعد الانتخابات لدرجة المجازفة بألّا يكون رئيساً للجمهورية في عيدها المئوي في 29 أكتوبر 2023، وهو الموعد الذي يتخطى بأربعة أشهر السنوات الخمس التي سيقضيها في فترته الأولى الرئاسية وفق النظام الرئاسي الجديد مع تقديم موعد الانتخابات إلى يونيو المقبل.

تشير المعطيات إلى أن الوضع الاقتصادي في البلاد كان السبب في تقريب موعد الانتخابات تحسباً من وقوع أزمة اقتصادية تهوي بشعبية الرئيس أردوغان وحكومته، لكن هناك معطيات أخرى قد تكون دفعت أردوغان إلى هذه الخطوة، وهي تفاهماته مع الإدارة الأمريكية حول مستقبل شرق الفرات في شمال سوريا، وحديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن نيته سحب قواته من هناك قريباً، وهو أمر قد يدفع الرئيس أردوغان إلى إعادة حساباته تجاه الملف الكردي في بلاده وفي شمال سوريا، وفق صفقة تفاهمات سرية بين أنقرة وواشنطن. ولن يكون مستغرباً تغيير أردوغان موقفه من الملف الكردي، استناداً إلى براغماتيته المعروفة، لكنه أمرٌ يستدعي فك تحالفه مع حزب الحركة القومية، وهذا يقتضي الانتهاء بأسرع وقت من استحقاق الانتخابات قبل الشروع في أي انعطاف جديد في سياسات أردوغان الخارجية أو نحو الأكراد أو نحو تفاهمات مع واشنطن.

التحالفات الانتخابية

ستُجرى الانتخابات القادمة وفق قانون جديد، إذ يشترط حصول المرشح لرئاسة الجمهورية على 100 ألف وكالة انتخابية من المواطنين، أو دعم 20 نائباً في البرلمان. كما أتاح القانون الجديد للأحزاب السياسية إجراء تحالفات انتخابية، وخريطة هذه التحالفات هي التي ستحدد فرص فوز الرئيس أردوغان بالرئاسة والأغلبية البرلمانية، أو خسارته؛ فعلى الرغم من أن شعبية أردوغان هي الأكبر لزعيم سياسي حالي في تركيا، فإنها في تراجع، وقد استفاد أردوغان سابقاً أكثر من مرة من تشتت الأحزاب المعارضة واختلاف أجندتها وتوجهاتها، لكنْ في حال توحدت المعارضة فإن الانتخابات القادمة قد تشهد مفاجآت حقيقية.

أُعلن عن أول تحالف انتخابي بين حزب العدالة والتنمية الحاكم (نسبة أصواته بين 40-45%)، وحزب الحركة القومية (نسبة أصواته حالياً أقل من 7%)، وحزب الوحدة الكبرى (حزب قومي إسلامي نسبة أصواته أقل من 1%).

وفي المقابل بدأت أحزاب المعارضة مشاوراتها من أجل تشكيل تحالف – أو تحالفات – انتخابية تضمن لها جمعَ أكبر عدد من الأصوات، لكن المعارضة تُواجه مشكلة تنافر قواعدها الشعبية؛ فحزب الشعب الجمهوري يساري أتاتوركي التوجه، والحزب الجيد قومي، وحزب الشعوب والديمقراطية حزب كردي، وحزب السعادة إسلامي التوجه؛ لذا اقترح زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كيليجدار أوغلو تشكيل تحالف انتخابي قائم على الأهداف السياسية وليس الانتخابية، وقال إنه مستعد للدخول في تحالفات انتخابية مع أي حزب يتفق معه على خريطة سياسية بعد الانتخابات تقوم على إلغاء النظام الرئاسي والعودة إلى النظام البرلماني، وإعادة التوازن والحياد إلى المؤسسات القضائية والأمنية. فيما تتجنب كل الأحزاب التحالف مع حزب الشعوب الديمقراطية الذي نجحت الحكومة في عزله سياسياً بعد اتهامه بدعم "الإرهاب".

وعلى الرغم من أن المعارضة أُخذت على حين غرة في موعد الانتخابات المبكرة، فإنها أظهرت لأول مرة إشارات نحو سعيها إلى "التعاون" وإنْ ليس إلى التوحد، في وجه الرئيس أردوغان، ومن ذلك أمَرَ زعيمُ حزب الشعب الجمهوري 15 نائباً من حزبه بالاستقالة من الحزب، والانضمام إلى الحزب الجيد القومي المعارض، ولو بشكل صُوري، بهدف تشكيل مجموعة برلمانية للحزب الجيد ليحقق بذلك لزعيمته ميرال أكشنار حق الترشح للرئاسة، وهي مرشحة قد تمثل منافساً قوياً لأردوغان، وقد حاولت الحكومة منع أكشنار وحزبها من المشاركة في الانتخابات لأسباب إجرائية؛ بحجة حداثة الحزب، وعدم استكماله جميع المتطلبات القانونية للمشاركة في الانتخابات.

سيناريوهات التحالفات في الانتخابات الرئاسية

من المهم أولاً التذكير بأن النظام الرئاسي الذي أُقرّ في استفتاء أبريل 2017، يُعطي رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة، ويحد من سلطات البرلمان الرقابية والتشريعية، ولن يكون هناك برلمان قوي يستطيع موازنة قوة وصلاحيات الرئيس إلا إذا توافرت كتلة معارضة في داخله تتكون من 400 نائب من أصل 600 نائب، وهو ما يبدو صعب المنال وفق استطلاعات الرأي الحالية. لذا يبدو الرئيس أردوغان راضياً عن تحقيق تحالفه الانتخابي أيَّ نسبة فوق 50% في الانتخابات البرلمانية، من أجل كسر أي تكتل معارض في البرلمان.

وسيكون التركيز على الانتخابات الرئاسية؛ بين سعي الرئيس أردوغان لحسمها من الجولة الأولى، وسعي المعارضة لخوض جولة ثانية بين مرشحين اثنين – أحدهما الرئيس أردوغان بشكل شبه محسوم – لتشكل جبهة موحدة ضده في هذه الجولة تدعم المرشح الثاني مهما كانت توجهاته السياسية.

وهنا يمكن الحديث عن سيناريوهَين اثنين:

  1. اتفاق جميع أحزاب المعارضة على مرشح واحد يكون شخصية محايدة ومقبولة من جميع الأطراف، وليس زعيماً لأي حزب منها. ويبدو هذا الاحتمال بعيداً حتى الآن، مع إعلان أكثر من زعيم حزبي نيته الترشح للانتخابات الرئاسية (مثل السيدة ميرال أكشنار زعيمة الحزب الجيد). وقد ظهر على الساحة الصحفي ليفينت غولتكين، ليقدم نفسه مرشحاً مستقلاً يمثل جميع الأحزاب، وذلك بدعم في الخفاء من الرئيس السابق عبدالله غول، وحزب السعادة الإسلامي، وهي تجربة فريدة من نوعها، لكنها قد تُحرج أحزاب المعارضة إنْ هو ترشح بمفرده دون دعم أحزاب المعارضة القوية وحصد أصواتاً أكثر من زعماء تلك الأحزاب، وهو أمر وارد بسبب شعبيته وقربه من مختلف التيارات السياسية بحكم عمله.
  2. تقديم كل حزب مرشحاً خاصاً به، يكون زعيم الحزب أو شخصية أخرى، خلال الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، مع الاتفاق على أن تقدم جميع أحزاب المعارضة الدعم للمرشح الذي سيخوض الجولة الثانية من الانتخابات ضد الرئيس أردوغان. وهو السيناريو الأقرب.

ملاحظة مهمة حول التحالف الانتخابي للرئيس أردوغان

من المتوقع أن يحقق التحالف الانتخابي في الانتخابات البرلمانية لحزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية دعماً مهماً على الأرض، بسبب تقارب التوجه السياسي والأيديولوجي للقاعدة الانتخابية لكلا الحزبين، لكنّ الأمر يختلف في التصويت للانتخابات الرئاسية؛ إذ إن ناخبي حزب الحركة القومية قد يُبدون التزاماً بالتصويت لحزبهم في الانتخابات البرلمانية، لكنّ القاعدة الشعبية القومية تجمعها خلافات متجذرة مع شخصية الرئيس أردوغان وفكرة أن يكون الرئيس القادم بصلاحيات موسعة وفق النظام الرئاسي الجديد، وقد ظهر ذلك جلياً خلال التصويت على الاستفتاء حول النظام الرئاسي مع عدم تصويت معظم ناخبي الحزب القومي لمصلحة ذلك النظام، رغم دعوة زعيم الحزب القومي ناخبيه إلى التصويت لصالحه (نسبة ناخبي الحزب القومي كانت خلال الاستفتاء 11%، وصوّت 2% منهم فقط لصالح النظام الرئاسي وفق التحليلات واستطلاعات الرأي التي تلت الاستفتاء).

لذا فإن تحليلات كثيرة تقول بأن الناخب القومي سيصوّت لحزبه ومرشحيه في الانتخابات البرلمانية، لكنه قد لا يصوت لصالح الرئيس أردوغان في الانتخابات الرئاسية، وأن الأرجح أن يصوت الناخب القومي في الجولة الأولى لأي مرشح يميني آخر، ولمنافس أردوغان في الجولة الثانية إذا كان مرشحاً يمينياً وليس من حزب الشعب الجمهوري اليساري. وعليه فإنه من المرجح أن تقل مجموع أصوات التحالف الانتخابي للحزب الحاكم مع القوميين في الانتخابات الرئاسية، عن مجموع الأصوات الذي سيحققه هذا التحالف في الانتخابات البرلمانية بنسبة تتراوح بين 5% و10%. 

ظروف الانتخابات ونتائجها المتوقعة

من المهم الإشارة إلى أن الانتخابات القادمة ستتم بإشراف مباشر من قبل الحكومة، ولن يتم تعيين وزراء محايدين لوزارات الداخلية والعدل والمواصلات كما كان يجري سابقاً، كما أن ضيق الوقت قبل إجرائها قد يؤدي إلى رفض أوراق العديد من المرشحين من المعارضة، والوقت لن يُسعفهم في الحصول على حكم قضائي لتأكيد أحقيتهم بالترشح، إضافة إلى أن قانون الانتخابات الجديد يعطي أفضلية للحزب الحاكم في وضع آليات مراقبة الانتخابات، ونقل صناديق الاقتراع. هذا فضلاً عن هيمنة الرئيس أردوغان على معظم وسائل الإعلام، واستفادته من مؤسسات الحكومة وموازناتها للدعاية الانتخابية، وفوق كل ذلك إجراء الانتخابات تحت قانون الطوارئ، بما يُقيد الدعاية الانتخابية للمعارضة ومرشحيها بشكل قوي. كل هذه عوامل تجعل وضع المعارضة صعباً للغاية، وقد يكون أفضل ما يمكن أن تطمح إليه هو توحدها لأول مرة وراء مرشح واحد يُحرج الرئيس أردوغان بالاقتراب بقوة من نسبة الأصوات التي سيحصل عليها. لكن رغم ذلك فإن احتمال المفاجآت يبقى قائماً، مع إشارة اغلب استطلاعات الرأي إلى أن شعبية الرئيس أردوغان تقف عند حاجز 45%، وهو ما يعني احتمال خوضه جولة إعادة لن تكون في صالحه على الأغلب، لذا يُتوقع أن يلجأ الرئيس أردوغان إلى كل ما يمكنه عمله، سياسياً واقتصادياً ودعائياً، من أجل حسم المعركة الانتخابية من الجولة الأولى.