خريطة التحالفات الانتخابية للقوى الشيعية في العراق

 

بعد أن حسمت المفوضية العليا للانتخابات في العراق أمرها بغلق أبواب تسجيل التحالفات السياسية لخوض الانتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها في 12 مايو 2018، في ظل تزايد عدد الأحزاب المسجلة لدى المفوضية، والتي تجاوزت 200 حزب، لوحظ تشتت البيت الشيعي إلى أربعة كيانات رئيسية تموضعت في تحالفات بأسماء مختلفة، مع احتفاظها بنفس الوجوه القديمة التي قادت العملية السياسية منذ عام 2003.

تسلط هذه الورقة الضوء على طبيعة التشظي السياسي الحاصل ضمن المكون الشيعي، وتستعرض خريطة التحالفات السياسية الشيعية لخوض الانتخابات المقبلة، وتقيم مدى قوة كل تحالف منها.

 

أولاً: ائتلاف دولة القانون يُفرز ثلاثة تحالفات انتخابية

تزعَّم "ائتلافُ دولة القانون" المشهدَ الشيعي منذ تأسيسه ككيان سياسي عام 2009، واحتفظ "حزب الدعوة الإسلامية"، الذي يرأسه زعيم الائتلاف نوري المالكي، بمنصب رئيس الوزراء منذ ثلاث دورات انتخابية. وتعرض زعيم الائتلاف لهزة سياسية عنيفة بعد المواقف الشعبية التي اعتبرته مسؤولاً عما تعرض له البلد إبان فترة حكمه من احتلال تنظيم "داعش" لعدد من محافظاته، وما نتج عنه من نزوح وتهجير وأوضاع خدمية صعبة، إلا أن ذلك لم يمنع بقاءه كزعيم لهذا الائتلاف، وبالرغم أيضاً من احتدام الصراع بينه وبين حيدر العبادي، بعد مشاركة الأخير في عملية الانقلاب الحزبي التي أتت به إلى رئاسة الحكومة بدلاً من المالكي عام 2014.

ومع تصاعد وتيرة التحضير للانتخابات، وبدء المناقشات الداخلية حول ترتيب القوائم والتحالفات الانتخابية، انفجر الخلافُ بين الرجلين حول زعامة الائتلاف، رغم المحاولات الحثيثة التي بذلتها قيادة حزب الدعوة من أجل الوصول إلى حل وسط؛ الأمر الذي دفع بحزب الدعوة إلى الانسحاب من السباق الانتخابي للسماح لأعضائه بالترشح بصورة فردية ضمن القوائم الانتخابية التي يختارونها، لكن الهدف الفعلي كان إعطاء حيدر العبادي الحرية في تشكيل قائمته الخاصة، والحيلولة دون انشقاقه عن الحزب في الوقت ذاته.

إلا أن هذه الترتيبات جاءت على حساب العبادي الذي تأخر كثيراً في تحديد خياراته التحالفية، وكلّفته الوقوع في حالة من التخبط وعدم العناية في اختيار الأسماء التي جاءت بغير ما تمنّت الأوساط الشعبية الداعمة له، والتي صدمها تحالفه مع شخصيات مثيرة للجدل وتطاردها شبهات الفساد (مثل وزير الكهرباء قاسم الفهداوي).

ومن الجانب الآخر تضافرت طموحات منظمة بدر بزعامة النائب هادي العامري، وحلفائه من قادة فصائل الحشد الشعبي الموالية لإيران، للعب دور محوري في شكل الحكومة العراقية المقبلة، بعد أن أصبحت تساورها الشكوك في قدرة ائتلاف دولة القانون على الحفاظ على نفس المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة، فضلاً عن خلافات فنية جمعت الشخصيات الرئيسة بما يتعلق بترتيب أسمائهم في القائمة من حيث الأولوية. 

كل ذلك أدى إلى توزّع قوى أكبر ائتلاف سياسي شيعي على ثلاث قوائم متنافرة، هي: قائمة "نصر العراق" بقيادة رئيس الوزراء حيدر العبادي؛ وقائمة "الفتح المبين" بزعامة هادي العامري؛ وبقاء "دولة القانون" بزعامة المالكي مع بعض الأسماء غير الفاعلة في المشهد السياسي.

  1. ائتلاف المالكي واحتمالية التراجع الانتخابي

لم يبقَ لائتلاف دولة القانون بعد خروج كلٍّ من منظمة بدر بزعامة النائب هادي العامري، ورئيس الوزراء حيدر العبادي، والنائبة البارزة حنان الفتلاوي (زعيم حزب "حركة إرادة")، من مصادر قوة يعتد بها غير شخصية زعيمه نوري المالكي، أمين عام حزب الدعوة ونائب رئيس الجمهورية، الذي بات أشبه ما يكون بسلّم لمجموعة من الأحزاب غير المعروفة والشخصيات الهامشية، هي:

  • حزب دعاة الاسلام (الدعوة/تنظيم العراق): يتزعمه خضير الخزاعي، وهو حزب سياسي عراقي له تجربة سياسية وانتخابية تعود إلى عام 2003، وقبلها كان جزءاً من حزب الدعوة الإسلامية انفصل عنه عام 1998، وغير اسمه من حزب الدعوة/تنظيم العراق إلى حزب دعاة الإسلام. ويمتلك الحزب حضوراً في دوائر الدولة، حيث يحظى بتمثيل وزاري ومسؤولين كبار، فضلاً عن تنظيمات ومؤسسات ثقافية وإعلامية. ويمكن أن يحقق الحزب أصوات انتخابية بين جمهوره، لكن لا يعتقد أن تكون بنفس المستويات السابقة وإنما أقل بكثير.
  • حركة النور (محمد هنداوي): لا تملك الحركة أي تاريخ سياسي، ولا قواعد شعبية، ولا أي حضور إعلامي عدا أنصار الهنداوي من السجناء الذين ساهم في تشريع قانون تقاعدي لهم، ويمكن أن تحصل الحركة في أفضل الأحوال على مقعد برلماني واحد.
  • تيار الوسط (موفق الربيعي): تيار جديد لا يملك أي شعبية تذكر، ولا يُتوقع أن يحصل على أكثر من مقعد برلماني أو اثنين بحسب طريقة ترتيب أسماء المرشحين على قوائم ائتلاف دولة القانون.
  • حركة البشائر الشبابية (ياسر عبد الصخيل): حركة سياسية جديدة لا تملك خبرة واسعة في العمل الانتخابي، انبثقت عن مجموعة مدوّنين داعمين لائتلاف دولة القانون، وهو ما يعرضها للانتقاد الدائم من قبل رواد مواقع التواصل الاجتماعي، الذين يرون في الحركة وواجهتها الإعلامية مظهراً من مظاهر الفساد السياسي والمحسوبية، باعتبار علاقة المصاهرة التي تجمع رئيس الحركة بنائب رئيس الجمهورية نوري المالكي، وهي أبرز نقاط قوتها التي ستخولها الاستفادة من فائض أصوات المالكي التي ستوزَّع على مرشحي قائمة الائتلاف. وتتخذ الحركة من مناطق الفرات الأوسط، وتحديداً محافظة كربلاء، مركزاً لنشاطاتها الميدانية، ويتوقع أن تحصل على ما بين مقعد إلى ثلاثة مقاعد في أفضل الأحوال، والأمر مرهون بالشخصيات التي ستترشح عنها.
  • تجمع أمناء بلدنا (قصي السهل): حزب سياسي جديد، ورئيسه شخصية أكاديمية إعلامية وسياسية، حيث شغل منصب نائب رئيس مجلس النواب في الدورة الماضية، عن كتلة الأحرار التابعة للتيار الصدري، لكن لا يحتمل أن يحظى الحزب بمقاعد انتخابية.
  • التيار الثقافي الوطني (علي أحمد عدنان)، وتيار ولائيون الإسلامي (كمال علي خضير خلف)، وكتلة معاً للقانون (محمد عبد السادة جعاز)؛ كلها أسماء لكتل حزبية جديدة لا تملك أي تاريخ، ولا يُعرف عنها وعن قادتها أي شيء.
  1. العبادي والخيارات القلقة لتحالف "نصر العراق"

يضم تحالف رئيس الوزراء الحالي ما يقارب 28 كياناً وحزباً سياسياً، شيعية وسنية وعلمانية، أبرزها: كتلة عراق النهضة والسلام (نواف سعود زيد الجربا)، وحزب الفضيلة الإسلامي (عبد الحسين عزيز أحمد الموسوي)، وكتلة مستقلون (حسين الشهرستاني)، وحزب الحق المدني التركماني (طورهان المفتي)، والاتحاد الإسلامي لتركمان العراق (جاسم محمد جعفر)، وتيار الإصلاح الوطني (إبراهيم الجعفري)، وحزب الثبات العراقي (عبد الرحيم جاسم الشمري)، وحركة الوفاء العراقية (عدنان عبد خضير الزرفي)، والمؤتمر الوطني العراقي (آراس حبيب محمد الرحماني)، وغيرها.

وكانت التوقعات ترجح أن يتحالف العبادي مع التيار الصدري، إلا أنه فضّل عليه فصائل الحشد الشعبي الموالية لإيران، ونتيجة لعدم تجانس القوى المكونة لتحالف العبادي سرعان ما انسحبت هذه الفصائل من التحالف، مُرجعةً ذلك إلى لأسباب "فنية وانتخابية وليست سياسية"، وفق تصريح ليث العذاري الناطق باسم كتلة "صادقون" يوم 15 يناير 2018، مبيناً أن "تحالف [العبادي] يضم أكثر من 68 كياناً، وسيكون من الصعب عليه إنتاج تفاهمات انتخابية مشتركة".

ويمكن ترجيح وجود اعتبارين آخرين في هذا الانسحاب: أولهما، رغبة العبادي في التنصل من الاتفاق الذي اتضح بأنه كان خطوة غير محسوبة، وخاصة بعد ردود الفعل القاسية التي عبّرت عنها الفئات الاجتماعية التي كانت تعول عليه في كبح جماح حلفاء إيران، وفي هذا الشأن أوضح السياسي السابق عزت الشابندر، في تصريح تداولته وكالة الأناضول في منتصف يناير 2018، أنه "لا يستبعد أن يكون العبادي قد شعر بتورطه بانضمام الحشد إلى تحالفه، لذا سارع إلى استعجالهم الانسحاب عبر إخلاله بالاتفاق معهم، وضم حزب الحكمة وأحزاب أخرى". والاعتبار الثاني هو تفضيل اللاعب الإيراني سياسة تشجيع الانشقاقات من أجل إذكاء نيران المنافسة بين مراكز القوى المتعددة الشيعية، وعدم التعامل مع كتلة واحدة يحتمل ان تتمرد عليه لاحقاً. 

وبذلك تعرض "تحالف النصر" إلى أزمة مبكرة جعلته يتعرض لانتقادات عدة، أبرزها:

  • بينما عوّلت فئات واسعة من العراقيين غير المؤدلجين على العبادي لكسر جمود العملية السياسية التي باتت تشكل عبئاً على كيان الدولة، جاء الكشف عن أسماء القوى المنضوية تحت لواء تحالفه الانتخابي ليصيب الرأي العام بصدمة عنيفة، والتي تضم شخصيات سياسية نافذة كانت جزءاً من الحكومة العراقية في السنوات الماضية، فضلاً عن ساسة مثيرين للجدل وتحوم حولهم الشبهات، مثل النائب مشعان الجبوري.
  • أدى تشكيل التحالف، وما تلاه من انسحابات، إلى مضاعفة الضرر الذي لحق بصورة حيدر العبادي الساعي للحصول على ولاية ثانية، وأعطت مؤشرات مقلقة عن حظوظه الانتخابية القادمة، وبخاصة إثر المفاجأة من تحالفه مع فصائل الحشد الشعبي المقربة من إيران، التي لطالما اتهمها بارتكاب خروقات، وصرّح في أكثر من مناسبة برفضه دخولها العملية السياسية.
  • يضم التحالف كيانات ومجموعات غير معروفة خارج نطاق محافظاتها، وغير محددة التوجهات الفكرية، والتي لم يجمع بينها سوى الرغبة في الاستفادة من الزخم السياسي والإعلامي الذي حظي به رئيس الوزراء حيدر العبادي، والتعويل عليه في تسخير موارد الدولة لصالحها.
  1. تيار الحكمة بزعامة الحكيم

بعد فضّ إعلان الشراكة مع العبادي التي لم تدم سوى أسبوعين، بسبب الخلاف على ترتيب أسماء المرشحين، بحسب ما أعلن في البيان المشترك، بات تيار الحكمة بزعامة السيد عمار الحكيم، الذي يملك حالياً كتلة نيابية مؤلفة من 24 نائباً، يمثل منافساً جدياً لتحالف "النصر" على أصوات الفئات الشعبية التي خاب أملها في العبادي، وتجد صعوبة في التعاطي الإيجابي مع تحالف "سائرون" المدعوم من التيار الصدري، في الوقت نفسه الذي يساورها القلق من توجهات تحالف "الفتح المبين"؛ ما يرفع من فرص التيار في الحصول على عدد جيد من المقاعد التي تؤهله للعب دور محوري بعد الانتخابات.

  1. حركة إرادة تدخل الانتخابات منفردة 

تعتبر الحركة التي ترأسها النائبة البارزة حنان الفتلاوي من إفرازات ائتلاف دولة القانون؛ فبفضل العلاقة الوثيقة بين الفتلاوي والمالكي، تمكنت النائبة من تكريس نفسها عبر السنوات الثماني الماضية، كواحدة من أبرز الشخصيات السياسية على الساحة العراقية بفعل الشعبية الجارفة التي بنتها من خلال تقديم نفسها بنجاح عبر وسائل الإعلام كمدافعة شرسة عن حقوق الطائفة الشيعية، وخاصة في مدينة الحلة مركز محافظة بابل، التي منحتها أكثر من تسعين ألف صوت في الانتخابات البرلمانية الماضية، وهو الأمر الذي يبدو أن زعيم ائتلاف دولة القانون لم يقدّره كفاية؛ ما تسبب بفتور العلاقات بين الطرفين إلى أن انتهت بإعلان الفتلاوي حركة إرادة خوض الانتخابات بقائمة مستقلة يتوقع لها أن تحصد من أربعة إلى خمسة مقاعد برلمانية على الأقل، فضلاً عن عدد من مقاعد مجلس محافظة بابل؛ الأمر الذي جعلها محط اهتمام أعضاء "تحالف الفتح" المنشق هو الآخر عن ائتلاف دولة القانون، واحتمال نشوء تنسيق بين الطرفين يمهد لتحالف برلماني جديد بعد الانتخابات البرلمانية المقبلة. ويدعم هذا الأمر معطيات عدة، أهمها:

  • تشابه موقف الطرفين العدائي داخلياً تجاه المكونين السني والكردي، وخارجياً تجاه دول الخليج والولايات المتحدة.
  •  ميل الطرفين إلى استخدام الخطاب الطائفي وأساليب بث الكراهية والتحريض تجاه الآخر، فضلاً عن نبرة التحدي ضد سياسات رئيس الوزراء حيدر العبادي.

 

ثانياً: الحشد الشعبي يستثمر انتصاراته في الانتخابات

يبدو أن الحشد الشعبي اختار الانسحاب من قائمة العبادي رغبةً منه في استثمار انتصاراته العسكرية على تنظيم "داعش"، لتحقيق مكاسب انتخابية بقائمة مستقلة تحت مسمى "تحالف الفتح المبين". ويقود التحالف زعيم منظمة بدر هادي العامري، وشخصيات أخرى كانت جزءاً من ائتلاف دولة القانون، ويضم 18 حزباً وتشكيلاً سياسياً، تملك معظمها فصائل أجنحة مسلحة قاتلت إلى جانب القوات العراقية ضد تنظيم "داعش"، أبرزها:

  1. منظمة بدر (هادي العامري): التي تتمثل في قوات الحشد الشعبي بثلاثة عشر لواءً، ينتشر معظمها في المحور الممتد من الحدود العراقية-الإيرانية، وحتى الحدود العراقية-السورية، عبر محافظات ديالى وكركوك وصلاح الدين ونينوى.
  2.  الحركة الإسلامية في العراق (أحمد الأسدي): الواجهة السياسية لكتائب جند الإمام، المتمثلة في قوات الحشد الشعبي باللواء السادس.
  3.  حركة الصدق والعطاء (مرتضى الساعدي): الواجهة السياسية لحركة جند الله الأوفياء، المنشقة عن حركة النجباء، التي تتمثل في قوات الحشد الشعبي باللواء التاسع عشر.
  4. حزب الطليعة الإسلامي (خضير عباس ثويني الامارة): الواجهة السياسية لسرايا الخراساني، التي تتمثل في قوات الحشد الشعبي باللواء الثامن عشر.
  5. حركة الجهاد والبناء (حسن راضي كامل الساري): أحد مكونات تيار شهيد المحراب سابقاً، والمتحالفة حالياً مع المجلس الإسلامي الأعلى، وتتمثل في قوات الحشد الشعبي باللواء السابع عشر.
  6.  حركة الصادقون (عدنان فيحان موسى الدليمي): الجناح السياسي لحركة عصائب أهل الحق، التي تتمثل في قوات الحشد الشعبي بالألوية 3 و41 و42.
  7. التجمع الشعبي المستقل (فلاح حسن ياسين الجزائري): الواجهة السياسية لكتائب حزب الله في العراق، التي تتمثل في قوات الحشد الشعبي بالألوية 45 و46 و47، فضلاً عن عشرة كيانات حزبية عسكرية أخرى. 

ويعتبر تحالف الفتح من أكثر التحالفات التي تجمع كيانات شيعية منسجمة أيديولوجياً، وتعتبر منظمة بدر أهم تشكيل في التحالف مقارنة بباقي الأحزاب، نظراً لكونها الأقوى عسكرياً، وتتبعها من حيث القوة عصائب أهل الحق (كتلة صادقون). واختار، زعيم التحالف، العامري، الانفصال عن ائتلاف دولة القانون نظراً لتوسع حجم طموحاته السياسية، التي لم تعد تتناسب مع بقائه هامشياً ضمن تحالف لا يحتل اسمه المرتبة الأولى فيه.

أما ما يتعلق بالأجنحة العسكرية لتشكيلات التحالف، فتدعي في إعلاناتها الرسمية أنها تخلت عن سلاحها وسلّمته كله للحكومة، فيما لا يمكن تصديق ذلك؛ إذ إن طبيعة تكوينها العقائدية وتراتبية القيادة فيها تجعل من المستحيل في ظل الظروف الحالية فك ارتباطها بمرجعيتها السياسية، التي أظهرت في كثير من الأحيان مدى قدرتها على تحدي أوامر القائد العام للقوات المسلحة، وأبرز مثال على ذلك رفضها قرارات الحكومة بعودة النازحين السنة إلى مناطق سكناهم في جرف الصخر وبيجي وبلد وشمال محافظة ديالى.

 يحتمل أن يحصل "تحالف الفتح المبين" على غالبية الأصوات التي كانت تذهب إلى ائتلاف دولة القانون، التي نفرت من المالكي واعتبرت أنه فشل في ترتيب تحالف يمكن أن يدير العملية السياسية، فضلاً عن أصوات الحشد الشعبي، وتلك التي تؤمن بضرورة أن تكون إدارة العملية السياسية بيد القوى الشيعية.

ويتركز تنافس التحالف في المناطق الجنوبية، لكنْ يحتمل أيضاً أن يحصل على أصوات في مناطق وسط وشمال العراق، تحديداً المناطق السنية التي تم تحريرها مؤخراً من سيطرة "داعش"، حيث يوجد طيف واسع من القوى السنية السياسية والعشائرية التي أنشأت علاقات تحالف وثيقة مع فصائل الحشد المقربة من طهران، مما مكّنها من تشكيل فروع مناطقية، أبرزها عصائب العلَم وبدر العلم، نسبة إلى قضاء العلَم في محافظة صلاح الدين، وهي فصائل سنية تقاتل باسم تنظيم عصائب أهل الحق وحركة بدر، يرتبطون معهم بعلاقات لوجستية وتسليحية، فضلاً عن قضاء الشرقاط والحويجة وتكريت ومناطق من الموصل، وعلى سبيل المثال تعتبر منطقة الشرقاط مغلقة بالكامل لصالح حلفاء الحشد الشعبي من عشائر الجبور خاصة؛ ما يجعل من شبه المستحيل أن يخرج منها مقعد لأي مرشح غير منسجم مع الحشد الشعبي.

 

ثالثاً: ساحات التظاهر تفرز تحالف "سائرون"

أُعلن عن تشكيل تحالف "سائرون" في منتصف يناير 2018، وهو تحالف سياسي يدعمه زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر. وكان التيار الصدري ممثَّلاً بكتلة الأحرار التي كانت تضم 34 مقعداً برلمانياً، وكان للتيار حضور شعبي وسياسي واسع، غير أن دعوات الصدر  في السنوات الأخيرة إلى محاربة الفساد والمفسدين أدت إلى إبعاد كافة أعضاء تيار الأحرار باعتبارهم جزءاً من الطبقة السياسية المتهمة بالفساد والفشل، واستبدالهم بتشكيل جديد تحت مسمى "حزب الاستقامة الوطني"، الذي جاء الإعلان عنه على لسان نائب الهيئة السياسية في التيار الصدري جعفر الموسوي في 19 ديسمبر 2017، والذي أكد انفتاح الحزب على كافة القوى الوطنية والعلمانية العراقية، دون توافر مزيد من المعلومات عن قيادات الحزب، أو نظامه الداخلي، أو موعد عقد مؤتمره التأسيسي.

ويتكون "تحالف سائرون" من ستة أحزاب تجمع بين المدنية والعلمانية والدينية، فضلاً عن وجود شخصيات أكاديمية ومهنية، كالآتي:

  1. حزب الاستقامة الوطني: يترأسه حسن عبد الله عبادي عاقولي، وهو رئيس التحالف كما مسجل في مفوضية الانتخابات، وهو طبيب اختصاص في الجراحة العامة، وعضو هيئة نقابة أطباء النجف، ولم يسبق له العمل السياسي.
  2.  الحزب الشيوعي العراقي: أمينه العام رائد فهمي، وهو من الأحزاب العراقية العريقة، إلا أن الحزب لم يتمكن بعد عام 2003 من تحقيق نتائج انتخابية تتناسب مع تاريخه الطويل، رغم حصوله على بعض الوزارات وقدر لا بأس به من التمثيل البرلماني والحكومي، وهو ما دعاه إلى محاولة تنشيط حضوره الشعبي عبر تبني حركة الاحتجاجات الشعبية بصورة غير معلنة، قبل أن تتخذ حركته هذه منعطفاً جديداً مع انطلاق موجة التظاهرات صيف العام 2015، ودخوله في تنسيق وثيق مع التيار الصدري من أجل الضغط على الحكومة للمطالبة بالإصلاح السياسي ومكافحة الفساد.
  3.  حزب الترقي والإصلاح: يتزعمه مضر غسان سامي شوكت، الذي عرف العمل السياسي بدايات عام 2003 وبعدها إلى جانب الراحل أحمد الجلبي، وتوارى بعدها عن الأنظار، ويعتبر شخصية شبه مجهولة شعبياً رغم أنه أكاديمي واقتصادي معروف بين الأوساط النخبوية. وفي لقاءات تلفزيونية لوحظ عليه نأيه عن استخدام أي عبارات ذات بعد طائفي أو عنصري، غير أن اسم حزبه يشير إلى وجود خلفية تركمانية أو امتدادات تركية يحتمل أن تكون غير محبَّذة لدى بعض الفئات السياسية.
  4. حزب التجمع الجمهوري العراقي: يترأسه سعد عاصم الجنابي، وهو رجل أعمال معروف بترأسه العشرات من المؤسسات التجارية والشركات، حيث يشغل إدارة شركة البادية، وشركة الجزيل، وشركة أبناء دجلة، فضلاً عن قناة الرشيد الفضائية. ودخل الانتخابات أكثر من مرة تحت مظلة حزب الوفاق الوطني بزعامة إياد علاوي، لكنه لم يحقق نتائج إيجابية، ويُعرف بميوله المدنية والعلمانية.
  5. حزب الدولة العادلة: يترأسه قحطان عباس نعمان الجبوري، وهو وزير سابق للسياحة والآثار عن التحالف الشيعي، فضلاً عن حزب الشباب للتغيير الذي يترأسه عدنان عبد الكريم عمران العزاوي، ولا يعرف عن الحزب الكثير. 

وثمة عدد من الملاحظات بخصوص "تحالف سائرون"، أبرزها:

  • كسر التحالفُ جمودَ الأيديولوجيا السياسية التي تجمع بين الشيوعي العلماني والصدري المتدين، وتحويلها إلى فعل سياسي على أرض الواقع في تآلف أُريد منه تقديم بديل يناسب فئات واسعة من المجتمع العراقي، ويكون عابراً للطائفية وممثلاً بشخصيات وازنة لها تاريخها، إلا أن التحالف لا يزال يفتقر إلى الشعبية التي تسمح بمنحه الشخصية المعنوية المستقلة عن توجهات التيار الصدري، الذي تمثل قواعده الشعبية المعروفة في مناطق وسط وجنوب العراق، الرصيدَ الوحيد الذي يستند التحالف إليه.
  • سينافس تحالف سائرون في المساحة الانتخابية الجغرافية نفسها التي تنشط فيها الأحزاب الإسلامية الشيعية، وبخلاف أعضاء التيار الصدري سيجد مرشحوه المدنيون صعوبةً في منافسة الأحزاب الدينية في معاقلها التقليدية، خصوصاً في ظل دخول فصائل الحشد الشعبي الموالية لإيران على خط المنافسة، والتي لا يُستبعد أن تلجأ إلى أساليب الترهيب، بما فيها الاغتيالات، من أجل إخراجهم من حلبة السباق الانتخابي.
  • يُرجح أن يحتفظ التيار الصدري بنفس عدد مقاعده الانتخابية؛ ما يحفظ للصدريين، مهما كان الاسم الذي يتبناه زعيمهم، نفس القدر من التأثير على توازنات القوى، لكن احتمالية تزايدها واردة جداً نظرا لكون زعيمهم وفّى بالوعد الذي طرحه بتشكيل كتلة عابرة للطائفية، وهو ما حصل فعلاً في تحالف سائرون، فضلاً عن أن مقاطعة الانتخابات أو انخفاض نسبة التصويت المتوقعة ستزيد عدد المقاعد التمثيلية التي يمكن لتحالف "سائرون" الفوز بها بفضل الكتلة الناخبة الصدرية التي يمكن حشدها للتصويت بسهولة عبر دعوة من السيد مقتدى الصدر؛ ما سيمنح الأحزاب العلمانية الفرصة للاستفادة من فائض الأصوات لإنجاح مرشحيها.
  • كان تحالف الصدريين مع الشيوعين متوقعاً من جانب حراكهم الشعبي المشترك، وخروجهم في ساحة التحرير بتنسيق عال، ومن باب آخر يُنظر إليه بوصفه تحالفاً مثيراً إذ يجمع بين نقيضين في إطار براغماتي مشترك، يحتمل أن يتطور فيما بعد من خلال دعم مشاريع قوانين مدنية واجتماعية متقدمة، أو أنه قد يفشل في تحقيق هدف الكتلة العابرة.

 

رابعاً: سيناريوهات مستقبل التحالفات السياسية الشيعية

السيناريو الأول: ائتلاف التحالفات الشيعية بعد الانتخابات (مرجح)

يفترض هذا السيناريو أن تعود معظم الأطراف الشيعية إلى التآلف عقب الانتخابات تحت مظلة التحالف الوطني، وخاصة الأحزاب والشخصيات الشيعية الرئيسة، يتقدمها تحالف النصر وتحالف الفتح وتحالف دولة القانون، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام انضمام مقتدى الصدر كممثل لتحالف "سائرون"، الأمر الذي سيدفع ممثلي الأحزاب والكيانات السياسية السنية والكردية إلى التكتل سوياً؛ مما يعني استمرار نظام المحاصصة في إدارة العملية السياسية.

وهناك عدة اعتبارات تدعم هذا الافتراض، أهمها:

  • ضمان استمرار سيطرة الأحزاب الشيعية على منصب رئيس الوزراء، وعدم فسح المجال أمام القوى السياسية الأخرى للمنافسة على المنصب التنفيذي الأول في النظام السياسي العراقي، حتى ولو عبر شخصية شيعية علمانية، مثل نائب رئيس الجمهورية إياد علاوي.
  • تمسك العبادي بعضوية حزب الدعوة الإسلامية، وانسحاب الحزب التكتيكي من المشاركة في الانتخابات، يُحتمل أن يعيد الْتحام المالكي والعبادي فيما بعد.
  • رغبة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في لملمة البيت الشيعي، من أجل ضمان سيطرتها على القرار السياسي العراقي، وظهرت مؤشرات عن هذا التوجه من خلال السماح لحلفائها في تحالف النصر المبين بالاتفاق مع رئيس الوزراء حيدر العبادي للنزول إلى الانتخابات بتحالف موحد، على الرغم من انهياره بعد أقل من يوم على الإعلان عنه.
  • إعلان تحالف الفتح المبين عن خلافات فنية انتخابية بشأن خروجه من تحالف نصر العراق، يؤشر لاحتمالية عودته سياسياً فيما بعد.
  • حاجة كل قطب شيعي إلى معرفة حجمه الانتخابي الحقيقي بعد التحولات الأخيرة في المشهد العراقي؛ من دحر تنظيم "داعش" وانتصار القوات العراقية وما رافقها من تحولات في توجهات المجتمع العراقي، وسطوع نجم شخصيات وتواري أخرى.
  •  التصدع الخطير الذي أصاب التحالف الشيعي الكردي الذي قامت العملية السياسية بالاستناد إليه، مما سيجبر أي حزب طامح للحصول على رئاسة الوزراء على تأمين دعم أكبر عدد ممكن من الأحزاب الشيعية الرئيسية، من أجل تسهيل التفاوض مع ممثلي الأحزاب الكردية والسنية، وإبقاء سقف مطالبها في نطاق التفسير الشيعي للدستور.

السيناريو الثاني: تفكك البيت الشيعي وتشكيل تحالف عابر 

يفترض هذا السيناريو أن المشهد السياسي العراقي الشيعي وصل إلى درجة متقدمة من التفكك، مما يصعب معه بقاء طهران كعامل حاسم في جمع صف الساسة الشيعة أو السيطرة على قرارهم كما كانت سابقاً، حيث بات رئيس الوزراء حيدر العبادي يُبدي ميلاً متزايداً نحو الولايات المتحدة والدول الأوروبية وحلفائهما في الخليج، ويتبنى مواقف تتناقض مع الأجندة الإيرانية، مثله مثل زعيم التيار الصدري الذي كان السباق لإبداء المرونة خارجياً إزاء دول الخليج، وداخلياً بالتحالف مع قوى شعبية مدنية تؤمن بالمنهج العلماني في إدارة الدولة والعملية السياسية.

ويدعم تحقق هذا السيناريو متغيرات عدة، أبرزها:

  • زيادة الوعي الشعبي بضرورة إدارة الدولة بواسطة شخصيات من التكنوقراط، وخاصة بعد الشعارات التي رفعها المتظاهرون في ساحات التحرير التي عبرت عن حجم الغضب من حكم الإسلاميين، الذين تتهمهم فئات واسعة من المجتمع العراقي، بالفساد والفشل في تأمين أبسط متطلبات الحياة.
  • بقاء احتمال تحالف العبادي مع الصدر وقوى سياسية أخرى لتأسيس تحالف عابر للطائفية، كأقوى الاحتمالات في ظل القطيعة التامة بين الصدر وزعيم ائتلاف دولة القانون المالكي، والجفاء المضمر مع زعيم منظمة بدر هادي العامري، وبقية أعضاء تحالف الفتح الذي يسعى إلى تكريس تبعية العراق لمحور الممانعة بقيادة طهران.
  • وصول أغلب الدول العربية إلى قناعة بضرورة الحفاظ على أمن العراق واستقراره، نظراً للتداعيات الخطيرة على الأمن الإقليمي العربي التي نجمت عن سياسة العزل السياسي التي انتهجتها دول الخليج تجاه العراق منذ عام 2003، ما يفرض عليها تقوية القوى السياسية الشيعية الأقل تبعية لإيران، مثل رئيس الوزراء حيدر العبادي وزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، من خلال الانفتاح السياسي والاقتصادي والإعلامي.
  • ترجيح حدوث صراع كبير على منصب رئيس الوزراء، خصوصاً إذا ما حقق تحالف الفتح المبين تقدماً كبيراً في نتائج الانتخابات البرلمانية لعام 2018، ما يعني دخول هادي العامري كطرف ثالث في التنافس على مكتب رئيس الحكومة، إلى جانب نوري المالكي وحيدر العبادي، الأمر الذي يرفع من احتمالات انشطار البيت الشيعي إلى قسمين: يجمع الأول بين المالكي والعامري وبقية قادة فصائل الحشد الشعبي الموالية لإيران، ويضم الثاني العبادي والصدر والحكيم بغطاء من المرجعية الدينية في النجف، يكون نواة تشكيل حكومة مثالثة بالتحالف مع السنة والأكراد.
 
 

Sharethis